image image image image image image image
(الإيمان والحياة) غلبتك بالله يا أبا سفيان لقد تمثلت العبودية الكاملة والتامة لله عز وجل وعدم التعلق بشيء سواه في الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهرت آثارها بوضوح في طريقة تعامله مع أصحابه، فلم يربطهم يومًا ما بشخصه، بل ربط الجميع بالله عز وجل . فمن أقواله التي تؤكد هذا المعنى: «ما أوتيكم من شيء ولا أمنعكموه، إن أنا إلا خازن، أضع حيث أُمِرت» [رواه أحمد] وقوله لأصحابه: «بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة»[رواه أبو داود] ولقد كان يُبايع بعض الصحابة على ألَّا يسألوا الناس شيئًا. فعن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديثي عهد ببيعته فقلنا: قد بايعناك، فعلام نبايعك؟ قال: «تعبدون الله ولا تشركون به شيئا، وتصلون الصلوات الخمس، وتسمعون، وتطيعون، وأسر كلمة خفية، ولا تسألوا الناس شيئا» قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه  فما يسأل أحدا يناوله إياه [رواه مسلم] وعن ابن أبى مليكة قال: كان ربما سقط الخطام من يد أبى بكر فيضرب بذراع ناقته فينيخها، فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ قال: إن حبيبى رسول الله  صلى الله عليه وسلم أمرنى أن لا أسأل الناس شيئًا [رواه أحمد] وفي مكة عندما اشتد الإيذاء بأصحابه، جاءه خباب بن الأرت في يوم من الأيام يتحدث معه في هذا الأمر، فانظر فيم حدثه.. لم يحدثه في مساعدة أهل الجوار، وأصحاب النفوذ، ومن لهم كلمة على أهل مكة ، بل كان طلبه يعكس مدى تعلقه التام بالله عز وجل، فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فَيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه..»[رواه البخاري] وبعد أن فتح الله مكة لرسوله وللمؤمنين، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة غداة الفتح المبين، وقد نُكسَت الأصنام، واندحرت الجاهلية، وفرَّ بقايا سدنتها هاربين هائمين، ووقف أبو سفيان بن حرب الذي أسلم على عجَل، يرقُب المشهد، ويصرخ في أعماقه حديث نفسي صامت لا يجرؤ على إعلانه، يقول لنفسه: بم غلبني هذا الرجل؟ وانطلقت خواطره أو هواجسه كالبرق الخاطف في المقارنات والموازنات المكتومة، وفجأة ترك النبي صلى الله عليه وسلم الطواف، وضرب على صدره وقال: « غلبتك بالله يا أبا سفيان » ولقد كان الصحابة يعيشون بكيانهم مع هذه الحقيقة، وتشكلت عقولهم وتصوراتهم بناء عليها، ووصل إيمانهم بها إلى الدرجات العلا، وانعكس ذلك على أدائهم وحركتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلقد انطلقوا بعدها في الأرض ليكملوا مسيرته صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس والعمل على تحريرهم من العبودية لغير الله، ويمثله نموذج قول ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس عندما سأله عن سبب مجيئهم: «جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة» من هنا نقول بأن جوهر الإصلاح الذي ننشده في أنفسنا وفي الآخرين هو التحرر من العبودية لغير الله، هو التعلق به وحده، والتحرر من أسر قيود التعلق بغيره. فالحرية الحقيقية هي التحرر من كل سجن ومن كل قيد يقيد الإنسان، فالذي يتعلق بنبي أو ولي فهو مقيد به، مسجون فيه، والذي يتعلق بمذهب أرضي فهو سجنه، والذي يتعلق بشهوة فهو أسير لها، والذي يتعلق بنفسه فهو عبد لها، والذي يتعلق بمنصب فهو مسجون فيه، مقيد به، والذي يتعلق بماله أو ولده فهو مقيد ومعذَّب بهم ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ﴾ [التوبة: 55]. أما العبودية لله عز وجل فهي الحرية الحقيقية، لأن الإنسان إنما خُلق ليكون عبدًا لله فقط، وكل شيء حوله فهو خادم له، مُسخَّر من أجله ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ [الجاثية: 13]. وإدراك المرء هذه الحقيقة يغير رؤيته للأشياء من حوله؛ سيراها على حقيقتها، مسخرة له، تعمل من أجله بلا أجرة، ولا تملك له نفعًا ولا ضرًّا، فيزهد فيها، وتنصرف رغبته عنها، وطمعه فيها، فيتعامل معها بهدوء وسكينة، ويستخدمها كأدوات خادمة له، أتاحها له ربه كأسباب تتيسر من خلالها الحياة على الأرض، كما جاء في الأثر: يا ابن آدم، خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تنشغل بما خلقته لك عمَّا خلقتك له. إن العبودية لله تحمل السعادة الحقيقية، والشعور بالحرية مما سواه، والعز في الاستغناء عن غيره. ولذلك فإن الدعوة التي ينبغي حملها للعالمين هي فك قيود التعلق بغيره؛ فالدنيا مليئة بالسجون المعنوية التي تكتظ بالبشر، وتحُول بينهم وبين الحرية الحقيقية، أما خارج تلك السجون حيث الحرية والسعادة والسكينة فلا يوجد فيها إلا قليلون. فالواجب الأول على أمة الإسلام: أن تُنقذ البشرية المُعذبة الحائرة التائهة السجينة، التي تتخبط في الظلام. وغني عن البيان أنه لا يمكن للأمة القيام به إلا إذا كان أبناؤها في عافية دائمة، وحرية حقيقية من كل قيد وتعلق بغير الله.
(الإيمان والحياة) الغريق الجائع لو أن رجلا ظل يسبح في البحر مدة طويلة، وأثناء ذلك بدأ يتملكه شعور بالجوع، فنادى على أهله الجالسين على الشاطئ يستحثهم للإسراع بتجهيز الطعام لأنه جائع.. جائع! وفي طريق عودته جاءت سلسلة من الأمواج المتلاحقة فسحبته إلى الداخل فبدأ يصارعها ويقاومها وهي تجذبه إلى أسفل، وأهله ينظرون إليه، وبين أيديهم الطعام الذي بدؤوا في إعداده له، فهل ترى سيستمرون في هذه الإعداد أم سيسارعون إلى إنقاذه؟ هذا سؤال بديهي لن تخرج إجابته من أي عاقل عن ضرورة المسارعة إلى نجدته قبل التفكير في إطعامه؛ فإنقاذ حياته هو الأولى والأهم في هذا الوقت. ولكن هل ستكون الإجابة بهذا الوضوح عند التعامل مع إنسان جائع يغرق في الضلال؟! وبصيغة أخرى: لو وجدنا قوما جائعين وهم في الوقت ذاته بعيدون عن الدين، وعن القيام بتعاليمه وفرائضه، فماذا علينا أن نفعل معهم؟ هل نتوجه بكل طاقاتنا لسد جوعتهم وستر عورتهم فقط؟ أم أن هناك عملا ضروريا يجب أن يسبق ذلك ويصاحبه؟ الإجابة عن هذا السؤال تستلزم معرفة الغاية من وجودنا على الأرض: فالله عز وجل خلق لنا الأرض "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" [البقرة: 29] وسخر لنا كل شيء فيها "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ" [الجاثية: 13] كل ذلك لنقوم بوظيفة عظيمة ألا وهي عبادته سبحانه: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّنْ رِِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)" [الذاريات: 56، 57] إن سبب وجودنا على الأرض هو عبادة الله عز وجل: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ" [البينة: 5] فقيمتنا الحقيقية أمام ربنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بأدائنا لهذه الوظيفة وأنه سبحانه لا يعبأ بنا لو انحرفنا عنها "قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ" [الفرقان: 77] يقول الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا. فلا قيمة للإنسان حين يتخلى عن عبادة الله عز وجل، بل إنه بهذا التخلي يهبط من مكانته العظيمة التي خلقه الله فيها وكرمه بها إلى أحط منزلة يمكن أن يصل إليها مخلوق "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" [التين: 4، 5] لذلك كانت دعوة جميع الرسل إلى أقوامهم تنصب في هذا المعنى: "إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ" [فصلت: 14] "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ" [المائدة: 117] تأمل أخي القارئ قوله  ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو يصف حال البشرية قبل بعثته وكيف كان ضلالهم، ومن ثم غضب الله عليهم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" [رواه مسلم] لقد خلق الله عز وجل الأرض وما فيها من مال وذهب وزينة لتكون خادمة للإنسان، وخلق الإنسان ليكون عبدا له، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" [صحيح الجامع الصغير: 1781] وكلما ابتعد العبد عن القيام بحق من حقوق من العبودية فإنه يعرض نفسه لخطر عظيم، لا ينجيه منه إلا العودة السريعة إلى مولاه وإلى فعل ما يرضيه، ويكفيك تأكيدا لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها" [صحيح الترغيب والترهيب: 352] وقوله: "تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا. [صحيح الترغيب والترهيب: 351] ومما يؤكد هذا المعنى أن الله جل شأنه قد جعل الوظيفة الأساسية للمؤمنين حين يمكنوا في الأرض هي العمل على القيام بحقوق العبودية له، فقال سبحانه: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ" [الحج: 41] من هنا نقول: عندما تبتعد الأمة عن القيام بحقوق الله فهي في حالة غرق، ومن ثم فإن على كل من لديه عاطفة دينية ورغبة في الإصلاح أن يستشعر واجبه تجاهها وأن يبذل غاية جهده في إنقاذ نفسه وإخوانه المسلمين، وليس معنى ذلك هو تركهم يعانون الجوع والفقر، ولكن المقصد هو الترتيب الصحيح للأولويات والحرص على الجمع بين الأمرين إن تيسر ذلك، وكما يقول علماء الأصول بأنه في حالة التعارض بين مصلحتين فإن الخطوة الأولى هي الاجتهاد في الجمع بينهما، فإن تعذر ذلك كان البدء بالأهم فالمهم، ويقينا فإنه من اتقد قلبه حرقة على دينه وصح عزمه على خدمته فإنه سيهتدي بإذن الله إلى الجمع بين المصلحتين، شريطة أن يكون المقياس الذي يقيس به نجاحه هو مدى التقدم الذي يجريه الله على يديه في عودة الشاردين إلى ربهم، ولنتذكر دوما قوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس" [متفق عليه]
(الإيمان والحياة) الهدف الأسمى للإصلاح الغاية العُظمى من خلق الإنسان هو تحقيقه العبودية لله عز وجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . وجوهر العبودية هو التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بشيء سواه وأصل التعلق بالشيء هو الاعتقاد في قدرته على النفع والضر، ومن ثم يكون الطمع في نفعه، والخوف من ضره، والخضوع له. ومن مظاهر التعلق بالشيء: حُبّه واللهفة عليه، والفرح بتحصيله والحزن على فواته، والسعي في إرضائه، وكثرة التفكير فيه. فالعبودية للمال تعني التعلق به والاعتقاد في قدرته على جلب المنفعة، أو كشف المضرة عن صاحبه، ومن مظاهر تلك العبودية: اللهفة عليه، والحرص على تحصيله، والفرح الشديد بزيادته ونمائه، والحزن على فواته، والشعور بالأمان معه، والخوف والقلق من فقده، وكثرة التفكير فيه، قال صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطِي رضي، وإن لم يُعط سَخِط»[رواه البخاري] والعبودية للأشخاص تعني التعلق بهم ورجاءهم  لاستجلاب النفع كالوصول على منصب، أو الحصول على مال، وتعني كذلك الطمع فيما بأيديهم، والاستقواء بهم، أو الخوف من ضرهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[التوبة: 31]. والعبودية للنفس تعني الإيمان بالنفس وقدراتها ومواهبها، والاعتقاد بأن تلك المواهب والقدرات يمكنها لذاتها أن تجلب لصاحبها النفع وتدفع عنه الضر. والعبودية لامرأة، أو منصب، أو غير ذلك، تدخل في هذا المعنى: التعلق بالشيء، ورجاء نفعه، وخوف ضره ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾[الفرقان: 43]. مع اعتبار أن العبودية للشيء تختلف من شخص لآخر بحسب درجة تعلقه به. وفي المقابل فإن العبودية لله عز وجل تعني التعلق التام به، والخضوع له، واليقين بأنه سبحانه مالك النفع والضر، وأن لا أحد سواه يملك مثقال ذرة، في الأرض ولا في السماء حتى الملائكة أو الرسل.. فليس لأحد من دون الله فاعلية ذاتية، ولا يملك أحد من دون الله نفع نفسه أو غيره ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام: 17] . هذه العبودية لله عز وجل لن تتحقق بصورة كاملة إلا إذا تحرر المرء من العبودية لغيره، فلن يكون المرء عبدًا حقيقًّا لله إلا إذا تحرر مما سواه. وقد تكون في المرء عبودية وتعلق بالله، وعبودية وتعلق بغيره، ومن ثَمَّ تختلف درجة العبودية لله بحسب درجة تعلقه به سبحانه، وتحرره من التعلق بغيره. لذلك فإن جوهر التوحيد هو توحيد التوجه والقِبلة إليه سبحانه، والتعلق التام به، ومن ثَمَّ طاعته وامتثال أوامره، والسعي الدائم نحو مرضاته، ودوام التوكل عليه، والشعور الدائم بالامتنان نحوه ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾[هود:123]. التوحيد الحقيقي هو توحيد التعلق والرجاء.. توحيد القصد والطلب.. توحيد العبادة والاستعانة بالله عز وجل. هذا التوحيد هو المراد من الخلق، وهو ما بُعثت به الرسل، ونزلت به الكتب ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ...﴾[فصلت:13،14]. وليست دعوة التوحيد مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد من التعلق به، والاعتقاد الجازم أنه هو النافع الضار ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾[الزمر:38]. وعندما بلغ الصحابة رضوان الله عليهم خبر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يُصدِّقوا ذلك، وقال عمر بن الخطاب:«والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم» فقال أبو بكر:«أيها الحالف على رِسلك» فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر:30]، وقال:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:144] فانتبه الصحابة سريعًا للأمر وخرجوا من المسجد يتلون ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[آل عمران:144]. لقد أفاق الصحابة سريعًا من هول الصدمة عندما خوَّفهم أبو بكر بقوله: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت. فهذه الكلمات جَعَلَت كلًّا منهم يُراجع نفسه سريعًا، ويُراجع مدى تعلقه بالله، هل كان تعلقًا تامًّا أم لا؟ وهل كان حُبُّهم للرسول صلى الله عليه وسلم منشؤه التعلق الشخصي به، أم كان حبُّهم له منطلقًا من كونه المبلغ عن الله والمُربِّي، والقدوة، والدال على طريق الهداية والفلاح.. انتبهوا سريعًا بعد أن ذكَّرهم أبو بكر بالحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم بشر تجري عليه أحكام البشر﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر: 30] فالربانية هي التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بغيره مهما كان وضعه ومنزلته.
(الإيمان والحياة) أمة واحدة ونسيج واحد   المتأمل للخطاب القرآني الموجه لأفراد الأمة يجده خطابًا جماعيًّا وليس فرديًّا بمثل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ﴿  وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ  بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ [الحج: 41]، ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 78]. ومن أهم دلالات هذا الخطاب الجماعي أننا أمام التكليف الإلهي جماعة واحدة، أو أمة واحدة ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92]. فالأمة الإسلامية هي الأسرة الكبيرة لكل فرد مسلم فيها، وهي كالجسد الواحد المكون من أجزاء وأعضاء كثيرة لكنها مترابطة ومنسجمة ومتكاملة، ولا يمكن لهذا الجسد أن يتمتع بالحيوية والنشاط والصحة إلا إذا كانت جميع أعضائه كذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [متفق عليه] ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11]، فالآية تطالبنا ألا نلمز أنفسنا، أي لا نطعن أنفسنا.. ولكن هل من المعقول أن يلمز المرء نفسه ؟! من المؤكد أن أي عاقل لا يلمز نفسه، ولكن لأن الله عز وجل يُعاملنا على أننا أمة واحدة وجسد واحد؛ كان التوجيه بعدم لمز الآخر، لأننا حين نلمزه فكأننا لمزنا أنفسنا، كاليد الصحيحة عندما تضرب رأس صاحبها فهي بذلك وكأنها تضرب نفسها، لأن أثر الضربة سيطولها . وعندما حاول حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إرسال خطاب إلى أهل مكة يُخبرهم فيه بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إليهم فاتحًا، وتم منع وصول هذا الخطاب إليهم بعد أن أخبر الله عز وجل رسوله به.. نزل القرآن يُعاتب الصحابة جميعًا على هذا الفعل ولا يُعاتبه بمفرده..يُعاتبهم لأنهم جميعًا مشتركون في المسئولية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الممتحنة: 1 - 3]. معنى ذلك أنه ليس المطلوب من كل مسلم أن يكون صالحًا في نفسه فقط؛ بل لابد وأن يعمل على إصلاح غيره حتى تبقى الأمة في عافية مستمرة؛ ومن ثم تنجح في أداء مهمتها العظيمة ألا وهي تطبيق وتبليغ رسالة الله الأخيرة للبشرية جيلًا بعد جيل . والناظر إلى تعاليم الإسلام يجدها تدفع المسلم دائما نحو الحركة الجماعية مع إخوانه المسلمين، وترغِّبه في إصلاح وتقويم نفسه وغيره لتستمر الحيوية للأمة، ومن المظاهر العملية التي تؤكد هذا الأمر: الحث الدائم على أداء الصلوات الخمس المكتوبة: جماعة وفي المسجد، أما صلاة الجمعة فهي اجتماع أسبوعي كبير وهي فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، ولمن شاء من النساء، وصلاة العيدين سنة مؤكدة للجميع: رجالًا ونساء، وموسم الحج موسم يضم آلافًا مؤلفة من المسلمين، وكأن اجتماعهم وهم يمثلون أجناسًا شتى وبلادًا شتى بمثابة اجتماع للأمة كلها .. هذا الاجتماع يتكرر كل عام بأفراد – في الغالب – جدد . ونجد كذلك تفضيل الإسلام للأعمال ذات النفع المتعدي للآخرين على التطوع بالقربات الفردية: كالسعي على الأرملة والمسكين، وعيادة المريض، وقضاء حوائج الناس، ونجدة الملهوف والصلح بين المتخاصمين . ومن مفاخر الإسلام ترغيبه الشديد في أداء واجب النصيحة بين المسلمين، ولك أن تتأكد من ذلك عندما تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة » [رواه مسلم] وكأن مدار الدين على النصيحة. ولا نغفل أيضًا مطالبة الدين لأبنائه بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار تركه نذير شؤم على الأمة، ويكفيك في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» [رواه الترمذي وحسّنه] كل ذلك وغيره يُشكل منظومة جماعية من شأنها أن تجعل الأمة مترابطة متعافية، ومن ثَمَّ تستمر في أداء وظيفتها العظيمة وواجبها الخطير تجاه البشرية جمعاء بدلالتها على الله، وتبليغ رسالته لها لإنقاذها من الهلاك. إن مشروع الأمة الدائم - بعد التطبيق - هو البلاغ والشهادة على الناس في كل زمان ومكان، وهذا يستدعي استمرار حيويتها وقوتها، ويستدعي كذلك توزيع الأدوار والمهام داخل الأمة، فطائفة تتحرك للجهاد والبلاغ، وطائفة تقوم بتجهيزها وإعدادها فكريًّا وإيمانيًّا، ونفسيًّا وجسديًّا.. يقول تعالى: ﴿  وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
(كيف نحفظ القرآن) مدارسة وحفظ سورة الناس (1) من السور الفاضلة، التي ورد في فضل قراءتها أحاديث صحيحة، مثل سورة البقرة وسورة الكهف والمُلك والإخلاص ... وقد احتلت مع سورة الفلق منزلةً خاصةً، فسُميتا "بالمُعَوِّذَتِين"، واحتلتا جزءًا أساسيًا في (الرقية الشرعية ـ أذكار الصباح والمساء ـ أذكار ما قبل النوم ـ الذكر بعد الصلوات الخمس......) ولعل ذلك بسبب امتلائها بالمعاني الإيمانية ومظاهر العبودية الصحيحة من اللجوء إلي الله سبحانه، والاستعانة به والاستغاثة بحفظه وكفايته، والارتماء في حماه وكنفه، والفرار إلى معيته التي لا غنى للعباد عنها...... أو لعل سبب ذلك الفضل أن السورة تُعَرِّفُ القارئَ بخالقه وربه ومالكه وإلهه، والتعريف بالله سبحانه من أبرز جوانب الهداية في القرآن وأهمها، لأن العبودية الصحيحة تُبْنَى على المعرفة الصحيحة وكما قيل: (المعرفة بداية العبودية)... ولفضل السورتين، استغنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقراءتهما، جاء ذلك في الأثر الذي ورد عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان يتعوذ من عين الجان، وعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان، أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك) [حديث صحيح أخرجه النسائي وغيره] وكان يقول عن هاتين السورتين: (لم أر مثلَهما!!) [حديث صحيح، رواه مسلم عن عقبة بن عامر] فيا للفضل والخير الذي اشتملت عليه السورتان. ولقد ذكرت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ  أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ" و "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" و "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على برأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، ويفعل ذلك ثلاث مرات". [حديث صحيح، رواه البخاري] من جوانب الهداية التي وردت بوضوح في هذه السورة: 1ـ التعريف بالله سبحانه (من هو الله؟). 2ـ التعريف بالشيطان (لعنه الله). 3ـ التعريف بالإنسان : (من هو الإنسان؟). 4ـ حقوق الله سبحانه على عباده..... "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)" [الناس: 1 - 6]   "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" حقوق الله سبحانه على العباد: أن يلجأوا إليه ـ لا لغيره ـ ويعتصموا به ويلوذوا بحماه ليحفظهم من شر كل ذي شر، فلا ملجأ آمن إلا في كنفه وحمايته، ولا أحد غيره سبحانه يُقصدُ وقت نزول الكرب أو وقت الخوف والشدائد، فهو سبحانه أمان الخائفين وملاذ المستضعفين فإذا أساء العبد إلى نفسه وظلمها فلجأ إلى غير مولاه وخالقه فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، فلا أحد كائنًا من كان يملك له نفعًا أو ضرًا " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ " [الأنعام: 46] من هو الإنسان؟ لا يملك من أمر نفسه شيئا، لا يستطيع دفع الضر عن نفسه أو جلب النفع لها، لذلك فهو محتاج دائمًا وأبدًا إلى حماية ربه ورعايته وحفظه ولقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دائم الاستعانة بالله سبحانه فكان يقول (ولا تكلني إلي نفسي طرفة عين)، [حديث صحيح، الترغيب والترهيب للمنذري] وفي رواية "ولا أقل من ذلك". وحينما كان في الغار قال لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) [حديث صحيح، رواه البخاري].   "بِرَبِّ النَّاسِ" من هو الله سبحانه؟ هو رب الناس، أي: مالكهم والمتصرف في شؤونهم بما يصلحهم، ومربيهم بإنزال نعمه إليهم وإغداق عطائه عليهم بما يناسب أحوالهم.....   "مَلِكِ النَّاسِ" من هو الله سبحانه؟ هو ملك الناس، وملك كل شيء، يملك أرواحهم وأجسادهم وأنفاسهم وأقدارهم وأعمارهم، وهم مملوكون له، لا يملكون من أمر نفوسهم شيئا ......"إِنَّا لِلهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" [سورة البقرة : 156]   "إِلَهِ النَّاسِ" من هو الله سبحانه؟ هو الإله المعبود، المستحق للطاعة والتعظيم والعبادة، الظاهر منها والباطن.... فالكفار قد فرقوا بين نوعي التوحيد فاعتزموا بوجود الرب الذي خلق السموات والأرض والبشر "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهَ" [سورة لقمان : 25]، ولكنهم رفضوا ( توحيد الألوهية ) ، أي رفضوا أن يفردوا الله سبحانه بالعبادة والطاعة؛ وذلك ليهربوا من تكاليف العبودية والتزاماتها. من هو الله سبحانه؟ الله سبحانه يحب عباده ويريد لهم الخير دائما؛ ودلالة ذلك في الآيات الثلاث هو: أنه يدلهم، ويرشدهم أن يلجأوا إليه ويطلبوا منه الحماية. وأن يستعينوا بحوله وقوته، ليكفيهم شر ما أهمهم فهو وحده القادر علي ذلك .. (ولا يفعل ذلك إلا محب) .. أنه سبحانه ذكر لفظ (الناس) في نهاية الآيات الثلاث الأُولَى، فكرره ثلاث مرات، وكان يمكن الاستغناء عن التكرار باستخدام الضمير، فيقول: (رب الناس وملكهم وإلههم)، ولكن التكرار كان ـ كما قال المفسرون ـ دليل على حب الله سبحانه لعباده. يقول البروسوي: (وتكرير المضاف إليه؛ لمزيد الكشف والتقرير بالإضافة، فإن ما لا شرف فيه، لا يعبأ به ولا يعاد ذكره؛ بل يُترَكُ ويُهمَلُ؛ ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته ما ختم كتابه بذكرهم .. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا المعنى: كأنما يفتح الله ـ سبحانه ـ لعباده حماه، ويبسط لهم كنفه، ويقول لهم في مودة وعطف: تعالوا إلى هنا...... تعالوا إلى الحمى...... تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه...... تعالوا فإنا أعلم أنكم ضعاف، وأن لكم أعداء، وأن حولكم مخاوف.... وهنا الأمن والطمأنينة والسلام.
(الإيمان والحياة) أنت رسول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)   نقرأ في سورة إبراهيم قوله تعالى على لسان الرسل وهم يُخاطبون أقوامهم ويدعونهم إلى الله عز وجل ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [إبراهيم: 10]. في هذه الآية نجد نموذجاً للخطاب الذي يقدمه الرسل إلى الناس، فالرسل يطلبون منهم أن يعودوا إلى الله لكي يغفر لهم ذنوبهم ويُمتِّعهم فيما بقي لهم من أعمارهم ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ [هود: 3]. وكأنهم يقولون لهم: أنتم أخطأتم كثيرًا في حق الله عز وجل، ومع ذلك فهو يُريد لكم الخير والسعادة في الدارين ولا يريد لكم الشقاء، ومن أعظم الأدلة التي تؤكد لكم ذلك؛ أنه هو الذي يطلب منكم تلبية دعوته بأن تُقبلوا عليه نادمين طالبين الصفح والعفو عن هذه الأخطاء ليعفو ويصفح ويغفر. وتُصور لنا سورة إبراهيم في نهايتها أحد مشاهد الحياة لأناس لم يُلبوا هذه الدعوة حتى فاجأهم عذاب الله، وكيف سيكون ندمهم، وحسرتهم، وإلحاحهم في طلب الإمهال حتى يلبوا دعوة ربهم ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ﴾ [إبراهيم: 44]. فما هي تلك الدعوة التي يريدون الإمهال لإجابتها؟ أليست هي التي دلهم عليها الرسل، وطلبوا منهم ألا يُضيّعوها، لكنهم أبوا الانتفاع بها، فاشتد ندمهم بعدما تأكدوا أنها كانت دعوة حقيقية للمغفرة والرحمة ؟! وقبل هؤلاء الرسل قام نوح عليه السلام بتبليغ هذه الدعوة لقومه ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾ [نوح: 7]. .. نعم – أخي – هذا هو ربك الودود الرحيم الذي يريد الخير للناس جميعًا ﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾  [الزمر: 7]. يُريد منهم أن يعودوا إليه فيقبلهم، ويستغفروه فيغفر لهم، ويدخلهم الجنة. أمة البلاغ: ومن أعظم مظاهر الود الإلهي لعباده إنزال الكتب، وإرسال الرسل التي تستحثهم على سرعة العودة إليه، وتُبين لهم المطلوب منهم لكي ينجحوا في مهمتهم على الأرض. وكان آخر هذه الكتب هو القرآن الكريم، وآخر هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم  ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، والهدف من إرساله هو الهدف من إرسال جميع الرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]. ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. فإن قلت: فإذا توقفت مسيرة إرسال الرسل عند محمد صلى الله عليه وسلم فمن الذي سيقوم بتبليغ الدعوة للبشرية جمعاء جيلًا بعد جيل؟ الجواب عن هذا التساؤل يستدعي أولًا التذكير بأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتابه الأخير للبشرية من التحريف والضياع ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. وجعله مشتملًا وجامعًا للرسالة والمعجزة في آن واحد.. الرسالة: وما تحتويه من دلائل الهداية إليه سبحانه ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]. والمعجزة: وما تفعله من تأثير عميق فيمن يتفكر فيها ويُحسن استقبالها ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [الحشر: 21]. فالقرآن إذن سيستمر وجوده بين الأجيال المتتابعة وحتى قيام الساعة، لتظهر الحاجة وتشتد لوجود الذين يقومون بوظيفة الرسل، وينوبون عنهم في تبليغ الرسالة،  وتوجيه معجزتها للناس في كل زمان ومكان.. من هنا تتبين المسئولية العظيمة لأمة الإسلام تجاه البشرية. أيها المسلم: أنت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمة الإسلام لها وضع خاص أمام الله عز وجل، فهي الأمة المكلفة منه سبحانه بتبليغ رسالته للعالمين، ليكون كل فرد فيها بمثابة « رسول رسول الله » حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وهذا يُفسر لنا انطلاق الصحابة الضخم وانتشارهم في الأرض – رضوان الله عليهم – بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد انطلقوا بدافع الشعور بالمسئولية تجاه الناس جميعًا، ولعل في كلمات ربعي بن عامر وهو يُجيب على رستم قائد الفرس عن سبب مجيئهم ما يؤكد هذا المعنى، يقول ربعي: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
(الإيمان والحياة) صحة الفكر طريق صحة السلوك أثناء محنة الإمام أحمد التي تعرض فيها للتعذيب والتنكيل بسبب موقفه الرافض لادعاء المعتزلة بأن القرآن مخلوق، وإصراره على القول بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.. جاءه تلميذه (المَروذي) يحاول إقناعه بأن يسلك مسلك العديد من العلماء في عصره الذين وافقوا المعتزلة على رأيهم، وذلك بلسانهم فقط، خوفًا على أنفسهم من بطش خلفاء الدولة العباسية وقتذاك، والذين تبنوا رأي المعتزلة (كالمأمون والمعتصم)، فقال المَروذي للإمام : يا أستاذ: قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [النساء: 29]، فقال أحمد: يا مَروذي، اخرج فانظر أي شيء ترى، قال: فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقًا من الناس لا يُحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المَروَزي: أي شيء تعملون ؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، فقال المَروذي: مكانكم، فدخل إلى الإمام أحمد بن حنبل وهو قائم بين الساريتين، فقال: لقد رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبون. فقال: يا مَروذي، أضِلُّ هؤلاء كلهم؟.. أقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء! لقد كان المَروَزي ينظر للأمر نظرة جزئية تهدف إلى تحقيق مصلحة الإمام أحمد في النجاة بنفسه من التعذيب والهلاك، هذه النظرة كانت تنطلق من فهمه لبعض النصوص الشرعية. لكن الإمام أحمد كان ينظر للأمر نظرة أشمل وأعمق من نظرة تلميذه، ويفهم النصوص فهمًا متكاملًا، ويربط بعضها ببعض، وكان يدرك خطورة إقراره لقول المعتزلة – ولو باللسان فقط – على عقيدة الأمة، لذلك عزم على قول الحق مهما كلفه ذلك من ضُرٍّ وأذى، فأيده الله عز وجل وثبته حتى انجلت الفتنة، وظهر الحق. لقد كان لفهم الإمام أحمد الصحيح للأمر، ونظرته الشاملة البعيدة لِما قد يترتب على رضوخه وإقراره لادعاءاتهم، أثر كبير في ثباته – بإذن الله – على موقفه. هذه القصة بها الكثير من العِبَر والدلالات، من أبرزها: أهمية الفهم ومدى تأثيره على مواقف الإنسان وسلوكه. فعندما يفهم المرء أمرًا ما فهمًا محدودًا، فإن حُكمه عليه، ومواقفه نحوه ستنطلق من هذا الفهم، وهذا ما ظهر من موقف المَروَذي في البداية، بخلاف موقف الإمام أحمد الذي انطلق من فهمه الصحيح الشامل – كما أسلفنا –. فحكمنا على الأشياء ينبع من تصورنا عنها وفهمنا لها، والذي قد يكون فهمًا صحيحًا أو خاطئًا.. شاملًا أو ناقصًا. معنى ذلك أنه عندما نطالب أنفسنا أو الآخرين بفعل شيء ما، فالخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها في ذلك هي تصحيح الأفكار المرتبطة بهذا الفعل، فعندما تطلب من ابنك أن يُعامل الفقراء والمساكين معاملة حسنة، وأن يتودد إليهم، ويتواضع معهم، فلابد أولا من تصحيح الأفكار المرتبطة بهذا الفعل وإقناعه بها،كأن تفهمه أن جميع البشر سواسية أمام الله عز وجل، فلا فضل لغني على فقير، ولا لفقير على غني إلا بالتقوى، وأننا في دار امتحان لا دار نعيم وجزاء. أو عندما تجد من حولك يهتم بظواهر العبادات دون جوهرها، كأن يُكثر من قراءة القرآن بلا فهم ولا تدبر، فعليك أولًا قبل أن تطالبه بالتركيز والتدبر أن تُبين له أهمية الإحسان في العمل ظاهرًا وباطنًا، وأنه مُقدَّم على الإكثار الشكلي منه فقط، وأن علو الدرجات عند الله مرتبط بهذا الإحسان. وكذلك، فعندما نطلب من الآخرين تحكيم الإسلام في جميع شؤون الحياة، لابد أولًا أن نبين لهم مفهوم شمول الإسلام وأنه ينتظم جميع جوانب حياة الفرد والأمة، ونبين لهم أيضا أصول هذا الإسلام الشامل وأركانه الأساسية التي تشمل جوانب الحياة كافة، حتى إذا ما تم البيان واتضحت المفاهيم، كان السبيل إلى التطبيق المنشود سهلا قريبا. وليس معنى هذا أن صحة الفكر تؤدي وحدها إلى صحة السلوك، بل هي الخطوة الأولى التي تحتاج معها إلى إيمان قوي يقهر الهوى ويستعلي على الرغائب والشهوات، ويحتاج كذلك إلى يقظة مع النفس حتى لا تأخذ حظَّها من هذا العمل فيضيع جهد العبد، ويصبح هباء منثورًا. والمسلم محتاج دومًا إلى تذكير بالثوابت والمفاهيم الصحيحة حتى يكون سلوكه منسجمًا معها، أو على الأقل، ليكون مُدرِكًا صوابَها من خطئها، ومِن ثَمَّ يستطيع تقويم أعماله بناء على هذه المعرفة. أما عندما يطول الزمن بلا تذكير، ومع تشابك الأحداث وازدياد المؤثرات السلبية، فإن المفاهيم الصحيحة قد تختلط بغيرها، وتختلف مقاييس تقويم الاهتمامات والسلوكيات، ومن ثَمَّ تضطرب الحركة. لذلك كان من الضروري التذكير الدائم بالمفاهيم والثوابت التي قد يحدث فيها خلط وتداخل، ويقف على رأسها تلك المفاهيم المرتبطة بنهضة الأمة الإسلامية وطرق إصلاحها . ومما يؤكد على أهمية وضوح الرؤية حول طريق النهضة والإصلاح، هذه الأحداث التي تمر بها الأمة وما يصاحبها من انفتاح إعلامي غير مسبوق تختلط فيه القيم والأفكار، ناهيك عن تطلع أبناء الأقطار الإسلامية إلى نهضة تحقق لهم الرفاهية المادية، كل ذلك وغيره أدى إلى اختلاط المفاهيم عند البعض حول سُبل النهوض بالأمة، وطرق الإصلاح التي من خلالها يعود للمسلمين عزهم ومجدهم بإذن الله.