(الإيمان والحياة)
التربية طريق إصلاح المجتمع
.. لابد أن يقوم الدعاة والمربين بالتواجد بين الناس وممارسة معاني الإسلام معهم حتى يتم التغيير المنشود، ولقد كان هذا هو دأب الرسل -عليهم الصلاة والسلام- تأمل قوله تعالى في قصة هود عليه السلام (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ) [هود:58].. وفي قصة شعيب عليه السلام: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [الأعراف:88].. وفي قصة موسى- عليه السلام-: (اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ) [غافر:25].
فالملاحظ في هذه الآيات قوله تعالى عن اتباع كل رسول (الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ (وهي مهمة زائدة على «آمنوا به»، فلفظ (مع) يعطى دلالة على المعية والصحبة والمعايشة كمرحلة ضرورية بعد الإيمان (به)، وهذا يحمل في طياته أعظم الدلالات على أن كل رسول كان يقوم على تربية من يؤمن بالدعوة، ولا يكتفي بإبلاغهم فقط.
يقول الشيخ عبد الستار فتح الله: أيضًا: « يورد القرآن العظيم لفظ (مع) بياناً لعلاقة المؤمنين برسلهم في مختلف العصور».. فالعلاقة بين المؤمنين ورسلهم لم تكن مجرد رابطة الإيمان بدين واحد فقط، وإنما هي تَجَمعٌ مترابط الأصول والفروع، والرأس والأعضاء، يشد بعضه إلى بعض برباط الإيمان أولاً، ثم المعية والصحبة المستقرة على وجه الانقياد والتبعية للدعوة ثانياً، مع ما يحمله ذلك من توحيد في الوجهة والسلوك، والمواقف، والعمل لنصرة دين الله.. والاستمرار على ذلك حتى يأتي وعد الله الحق، أو يموت الرسول والمؤمنون وهم على محجة الطريق، ونور اليقين».
لا بديل عن المعية والصحبة والتربية -إن أردنا تغييراً حقيقياً- ومِن ثَم فإن على جميع الدعاة والعاملين للإسلام أن يكون ذلك هو هدفهم الأساسي وهم يتعاملون مع الناس.
عليهم أن يوحدوا جهودهم ولا يبعثروها في غير هذا المجال حتى تبدأ الأمة في اليقظة الحقيقية.
لابد وأن يكون عمل كل من يريد خدمة الإسلام من خلال التواجد بين الناس.. يأكل مما يأكلون منه، ويشرب مما يشربون، وليس ذلك فحسب، بل عليه أن يكون هدفه من تواجده بينهم هو التربية وإحداث أثر إيجابي دائم في ذواتهم من خلال المحاور الأربعة للتربية والتي سيأتي ذكرها لاحقًا بإذن الله .
إن المطلوب من خلال التواجد بين الناس ليس فقط مساعدة الفقراء أو البحث عن عمل للعاطلين، أو مواساة المبتلين، أو عقد الندوات، أو...، فكل هذا مع أهميته إلا أنه لابد وأن يوضع في سياق المنظومة التربوية التي تهدف إلى تحقيق العبودية لله، ومن ثَمَّ التغيير الشامل والدائم في شخصية المسلم وألا يتم التعامل معها على أنها جُزُرٌ منعزلة.
من هنا نقول بيقين: إن معركة الإصلاح والتغيير الحقيقي للأمة روحها التربية، ولابد أن يتم تطويع جميع الوسائل لخدمة هذا الأمر، فإن تركنا هذه المعركة فسنظل في أماكننا نراوح بين أقدامنا، ونشتكي من كثرة المحن والابتلاءات التي تمر بالأمة، وسيعلو صراخنا ونحيبنا، وترتفع أيادينا بالدعاء والتضرع إلى الله كلما أصاب المسلمين جرح جديد، وسيعلو صوت الدعاة في الفضائيات وعلى المنابر بأهمية العودة إلى الله، وتغيير ما بالنفس، ثم تهدأ العاصفة ويستقر الجرح في جسد الأمة ويتعود على وجوده الجميع، ثم يتكرر الأمر بعد ذلك مع جرح جديد وهكذا.
فإن قلت: ولكن هل من الضروري تربية الأمة جميعاً؟
ليس المطلوب أن يكون جميع الأفراد على مستوى عال ورفيع من الصلاح، فسيظل هناك السابق بالخيرات، والمقتصد، والظالم لنفسه، ولكن يبقى من الضروري توافر الحد الأدنى للصلاح في الأمة.
فالمطلوب هو إصلاح المجتمع بأن تشيع فيه روح الإسلام ومعانيه، وأن يغلب عليه أنوار الإيمان ومظاهر العفة والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، ونكران الذات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، واستشعار المسئولية تجاه الأمة والبشرية، وفي المقابل تختفي منه مظاهر السلبية والأنانية والإعجاب بالنفس، والتفسخ الأخلاقي والإباحية..، وهذا لن يتم إلا بجهد تربوي يبذله الدعاة والعاملون للإسلام مع الناس.. كلٌ يعمل في محيطه.
وإننا عندما ننظر في أعمال المصلحين الناجحة على مر تاريخ الأمة نجد أنها كانت تمر من طريق التربية التي تهدف إلى تكوين أمة جديدة متحررة من أسر قيود العبودية لغير الله ..
ومن هذه النجاحات ظهور جيل صلاح الدين، والذي من خلاله تم تحرير بيت المقدس، وكسر شوكة الصليبيين – بإذن الله -.. ولقد سبق ظهور هذا الجيل الميمون عمل تربوي ضخم قام به نور الدين زنكي ومن قبله من العلماء المصلحين كأبي حامد الغزالي وعبد القادر الجيلاني، وكذلك دولة المرابطين التي حكمت المغرب العربي عشرات السنين، وكان أساس قيامها جيل المرابطين الذي تم إعداده وتربيته على الإسلام .
وفي التاريخ القريب، وبعد إسقاط الخلافة العثمانية وتفكيك الأمة تنادى المصلحون في كل مكان عن سبيل إعادتها وقيامها مرة ثانية، وظهرت التوصيات التي تشخص الداء وتصف الدواء، لكنها كانت توصيات نظرية لا يمكن تنفيذها لأن الأمة كانت – ولا زالت – مريضة ..
وفي وسط هذه الأجواء ظهر الشاب حسن البنا ليقول كلمته بأنه لا سبيل لعودة الخلافة مرة ثانية وقيادة العالم إلا من خلال بناء الأمة من جديد عن طريق التربية والتكوين، حتى تتحول المعاني النظرية إلى واقع عملي .
يقول رحمه الله حاكيًا تطور تلك الفكرة في نفسه وذلك من خلال تقييمه لعمله في نشر الدعوة الإسلامية وتأكده بأن ذلك وحده لا يكفي لإحداث التغيير، بل لابد من سلوك طريق التربية والتكوين :
وقَفْتُ نفسي منذ نشأت على غاية واحدة، هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقة وعملًا ..
.. ظلت هذه الخواطر حديثًا نفسانيًّا، ومناجاة روحية، أتحدث بها في نفسي لنفسي، وقد أُفْضِي بها إلى كثير ممن حولي، وقد تظهر في شكل دعوة فردية، أو خطابة وعظية، أو درس في المساجد إذا سنحت فرصة التدريس، أو حثّ لبعض الأصدقاء من العلماء على بذل الهمة ومضاعفة المجهود في إنقاذ الناس وإرشادهم إلى ما في الإسلام من خير.
ويستطرد قائلًا: ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس.
وبدأ في طريقه لترجمة هذه النداءات إلى واقع عملي، فكان تأسيسه لدعوة الإخوان المسلمين لتقوم بهذا الدور..
(كيف نحفظ القرآن)
حفظ سورة الناس(الحلقة الثانية)
من هو الشيطان؟
مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ
هو عدو الإنسان الأول، وهو حريصٌ كل الحرص على الإيقاع به في شراكه عن طريق أساليبه الخبيثة والتي منها (الوسوسة).
الوسوسة: وهي ما يلقيه الشيطان في النفس لكي يرغب أتباعه في المعاصي ويزينها لهم، أو يوهمهم بأن في العمر سعة فلا بأس من تسويف التوبة، أو ما شابه ذلك "لَأَقْعُدَنَ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" [سورة الأعراف : 17].
من هو الشيطان؟ "الخنَّاسِ" هو يوسوس ويغري بالباطل ويصرف عن الحق .... نعم، ولكنه في الوقت نفسه خنَّاس، أي سريع الهروب عند ذكر الله سبحانه أو عند الاستعاذة بالله منه؛ فيتوارى ويضعف عند ذلك، ولذلك يقول سبحانه "إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" [سورة النساء : 76]. وقال صلى الله عليه وسلم: (الشيطان يلتقم قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس عنده، وإذا نسي الله التقم قلبه) [حديث حسن، الجامع الصغير].
"الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ". من مَكْرهِ وخُبثه؛ إلقاؤه في الصدور، أي إلي القلوب مباشرة، لأن القلب هو الآمر الناهي، كل الأعضاء جنوده وخدمٌ مطيعون لأوامره وكل هذه الحيل والمكر لأن الشيطان توعد لبني آدم جميعًا "لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" [سورة ص: 82 ] لذا فهو دائب العمل على ذلك، ودائما يستخدم سلاح الوسوسة في ذلك..... "مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ" من هو الإنسان؟ قد يصل الإنسان ـ من فرط شره وسوءه ـ إلى مرتبة الشيطان والجن، وقد يتفوق عليهم أحيانًا وهؤلاء من وصفتهم الآية الكريمة "أُولَئِكَ هُمْ شَرُ الْبَرِيَّةِ" [سورة البينة : 6] .. والشاهد في ذلك أن شيطان الجن قد يخفق في اقتياد أحد الشباب إلى أحد أماكن اللهو، بينما ينجح شيطان الإنس (صديق السوء) بكل جدارة؛ وذلك لأن شيطان الجن قد يقهره الشاب بالذكر فيخنس ويهرب، أما شيطان الإنس فإنه لا يَكَلُّ ولا يَمَلُّ، بل يُتْبِع الحيلة تلو الحيلة ويفكر ويُقَدِّر حتى يغوي صاحبه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالط) [حديث إسناده صحيح، رواه أحمد] وكما قيل: الصاحب ساحب.
فائــــــــــــــــدة:
يقول الشيخ البروسوي في تنوير الأذهان: وينحصر ما يدعو الشيطان إليه ابن آدم في ست مراتب: الأولـــى: الكفر والشرك بالله، فإذا ظفر بذلك، خف أزيزه، وقل مع المرء عمله، واستراح من تعبه. الثانيــــة: البدعة وهي أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يُتَاب منها فتكون كالعدم والبدعة يظن صاحبها أنها صحيحة فلا يتوب منها. الثالثــــة: الكبائر على اختلاف أنواعها. الرابعــة: الصغائر التي إذا اجتمعت على صاحبها أهلكته. الخامسة: إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، والتي تفوت عليه شغل وقته فيما يجلب له الثواب. السادسة: إشغاله بالمفضول عن الفاضل؛ يُفَوِّتُه ثواب الأفضل منهما، فلنحذر كيد الشيطان، ولنعلم من أي هذه المداخل يأتينا..... واجبات عملية ودروس مستفادة: 1) قراءة سورة الناس في الأوقات والأحوال سالفة الذكر (الرقية ـ الأذكار ..) وذلك بهدف اللجوء والاعتصام بالله سبحانه من شر الشيطان ووسوسته، ومن شر شياطين الإنس وما أكثرهم. 2) الاستعاذة بالله عز وجل وذكره مباشرة عند الإحساس بإلقاء الشيطان وسوسته في الصدر أو عندما يهم الإنسان بأمر سوء قولًا أو فعلًا، فإن ذلك يدحر الشيطان ويجعله يخنس "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ..." [سورة فصلت : 36] 3) اختيار الصحبة الصالحة والجيران الصالحين، والابتعاد قدر الإمكان عن شياطين الإنس من أصدقاء أو جيران أو حتى أقارب .. فالابتعاد عنهم غنيمة "لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فَلَانًا خَلِيلًا" [سورة الفرقان : 28] 4) استخدام سورة الناس مع سورة الفلق (المُعَوِّذَتَيْنِ) في رقيا الأطفال الصغار وتحصينهم كما كان يفعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الحسن والحسين رضي الله عنهما. 5) لابد أن نتيقن أن الله سبحانه يحبنا، ويحب أن نلجأ إليه في أي وقت، ولا يمل من ذلك على عكس البشر فهم يملوا ويصيبهم الضجر سريعا .. ولو تأملنا السورة لوجدنا الله سبحانه وكأنه يعلمنا وينصحنا باللجوء إليه وطلب الحماية منه. 6) وقد قال أحد الأجانب الذين أسلموا تأثرًا بالقرآن وهو د / جفري لانج أنه أحس حين قرأ الثلاث سور الأخيرة في القرآن وكأن الله ـ عز وجل ـ يخاطبه معلما إياه، فيقول له: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" اللهم انفعنا بسورة الناس وأدخلنا في رحمتك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إفادة: يرى الشيخ محمد عبده أن تكرار كلمة الناس في السورة وإضافتها لاسمه (الرب) مع كونه ربًا للخلق جميعًا فيه خصوصية لهؤلاء الناس ومحض تشريف لهم وتعهدًا دائمًا لهم بالحماية والإعانة.
من هو الشيطان؟ "الخنَّاسِ" هو يوسوس ويغري بالباطل ويصرف عن الحق .... نعم، ولكنه في الوقت نفسه خنَّاس، أي سريع الهروب عند ذكر الله سبحانه أو عند الاستعاذة بالله منه؛ فيتوارى ويضعف عند ذلك، ولذلك يقول سبحانه "إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" [سورة النساء : 76]. وقال صلى الله عليه وسلم: (الشيطان يلتقم قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس عنده، وإذا نسي الله التقم قلبه) [حديث حسن، الجامع الصغير].
"الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ". من مَكْرهِ وخُبثه؛ إلقاؤه في الصدور، أي إلي القلوب مباشرة، لأن القلب هو الآمر الناهي، كل الأعضاء جنوده وخدمٌ مطيعون لأوامره وكل هذه الحيل والمكر لأن الشيطان توعد لبني آدم جميعًا "لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" [سورة ص: 82 ] لذا فهو دائب العمل على ذلك، ودائما يستخدم سلاح الوسوسة في ذلك..... "مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ" من هو الإنسان؟ قد يصل الإنسان ـ من فرط شره وسوءه ـ إلى مرتبة الشيطان والجن، وقد يتفوق عليهم أحيانًا وهؤلاء من وصفتهم الآية الكريمة "أُولَئِكَ هُمْ شَرُ الْبَرِيَّةِ" [سورة البينة : 6] .. والشاهد في ذلك أن شيطان الجن قد يخفق في اقتياد أحد الشباب إلى أحد أماكن اللهو، بينما ينجح شيطان الإنس (صديق السوء) بكل جدارة؛ وذلك لأن شيطان الجن قد يقهره الشاب بالذكر فيخنس ويهرب، أما شيطان الإنس فإنه لا يَكَلُّ ولا يَمَلُّ، بل يُتْبِع الحيلة تلو الحيلة ويفكر ويُقَدِّر حتى يغوي صاحبه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالط) [حديث إسناده صحيح، رواه أحمد] وكما قيل: الصاحب ساحب.
فائــــــــــــــــدة:
يقول الشيخ البروسوي في تنوير الأذهان: وينحصر ما يدعو الشيطان إليه ابن آدم في ست مراتب: الأولـــى: الكفر والشرك بالله، فإذا ظفر بذلك، خف أزيزه، وقل مع المرء عمله، واستراح من تعبه. الثانيــــة: البدعة وهي أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يُتَاب منها فتكون كالعدم والبدعة يظن صاحبها أنها صحيحة فلا يتوب منها. الثالثــــة: الكبائر على اختلاف أنواعها. الرابعــة: الصغائر التي إذا اجتمعت على صاحبها أهلكته. الخامسة: إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، والتي تفوت عليه شغل وقته فيما يجلب له الثواب. السادسة: إشغاله بالمفضول عن الفاضل؛ يُفَوِّتُه ثواب الأفضل منهما، فلنحذر كيد الشيطان، ولنعلم من أي هذه المداخل يأتينا..... واجبات عملية ودروس مستفادة: 1) قراءة سورة الناس في الأوقات والأحوال سالفة الذكر (الرقية ـ الأذكار ..) وذلك بهدف اللجوء والاعتصام بالله سبحانه من شر الشيطان ووسوسته، ومن شر شياطين الإنس وما أكثرهم. 2) الاستعاذة بالله عز وجل وذكره مباشرة عند الإحساس بإلقاء الشيطان وسوسته في الصدر أو عندما يهم الإنسان بأمر سوء قولًا أو فعلًا، فإن ذلك يدحر الشيطان ويجعله يخنس "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ..." [سورة فصلت : 36] 3) اختيار الصحبة الصالحة والجيران الصالحين، والابتعاد قدر الإمكان عن شياطين الإنس من أصدقاء أو جيران أو حتى أقارب .. فالابتعاد عنهم غنيمة "لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فَلَانًا خَلِيلًا" [سورة الفرقان : 28] 4) استخدام سورة الناس مع سورة الفلق (المُعَوِّذَتَيْنِ) في رقيا الأطفال الصغار وتحصينهم كما كان يفعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الحسن والحسين رضي الله عنهما. 5) لابد أن نتيقن أن الله سبحانه يحبنا، ويحب أن نلجأ إليه في أي وقت، ولا يمل من ذلك على عكس البشر فهم يملوا ويصيبهم الضجر سريعا .. ولو تأملنا السورة لوجدنا الله سبحانه وكأنه يعلمنا وينصحنا باللجوء إليه وطلب الحماية منه. 6) وقد قال أحد الأجانب الذين أسلموا تأثرًا بالقرآن وهو د / جفري لانج أنه أحس حين قرأ الثلاث سور الأخيرة في القرآن وكأن الله ـ عز وجل ـ يخاطبه معلما إياه، فيقول له: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" اللهم انفعنا بسورة الناس وأدخلنا في رحمتك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إفادة: يرى الشيخ محمد عبده أن تكرار كلمة الناس في السورة وإضافتها لاسمه (الرب) مع كونه ربًا للخلق جميعًا فيه خصوصية لهؤلاء الناس ومحض تشريف لهم وتعهدًا دائمًا لهم بالحماية والإعانة.
(الإيمان والحياة)
التربية أداة الإصلاح والتغيير
أمة الإسلام تختلف عن بقية الأمم من حيث كونها الأمة المكلفة بتبليغ رسالة الله الأخيرة للناس جميعًا، ومن ثَمَّ الشهادة عليهم ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143].
ولا يمكن للأمة أن تقوم بهذه المهمة إلا إذا كانت في عافية وقوة ووحدة، وهذا لا يتم إلا إذا تغيرت من الداخل، وتحرر أبناؤها من قيود العبودية لغير الله، وأصبحت معاني الإسلام هي السمة الغالبة عليهم .
إن أي جهد يُبذل في غير طريق تغيير الأمة من الداخل وعودتها إلى صحتها لن يكون له ثمرة حقيقية في تحسين أحوالها وعودة عزها ومجدها، ألم يقل سبحانه ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].
والتغيير المطلوب ليس تغييرًا وقتيًّا أو جزئيًّا، بل ينبغي أن يكون تغييرًا يترك أثرًا إيجابيًّا دائما في المكونات الرئيسية للإنسان .
الأثر الإيجابي الدائم:
من السهل أن يقرأ المرء أو يستمع إلى موعظة فيحدث له تأثرًا وقتيًّا بما سمعه أو قرأه فيقوم بتنفييذ ما دلت عليه، ولكن بعد مدة وجيزة يعود لسابق عهده.. لماذا ؟
لأن التأثر كان لحظيًّا فأثمر سلوكًا وقتيًّا غير دائم ..
فإذا أردنا تغييرًا دائما فلابد من إحداث أثر دائم في ذات الإنسان .
.. إن اكتساب أي مهارة من المهارات لا يتم من خلال ممارستها مرة أو مرتين، بل لابد من تكرار الممارسة والصبر على ذلك حتى يتم اكتسابها، كمن يريد تعلم أحكام تلاوة القرآن فلا يكفي أن يقرأ كتابًا أو يسمع دروسًا نظرية فقط في هذا الأمر، بل لابد مع المعرفة النظرية من التطبيق العملي المتكرر للأحكام التجويدية حتى يتعود المرء على النطق وهكذا حتى يُجيد الترتيل إجادة تامة.
.. نعم، يمكن أن يقرأ كتابًا يتضمن تعريفًا بكل الأحكام في ساعة من الزمن، لكنه لن يمكنه من النطق الصحيح، فلابد من الممارسة العملية إن أراد اكتساب تلك المهارة.. هذه الممارسة قد تأخذ منه بضع شهور وقد تكلفه بذل الجهد والاستمرار في متابعة التطبيق والتمرين.. ولكن ليس هناك طريق غيرها.
ونفس الأمر لو أراد المرء اكتساب مهارة قيادة السيارة، لابد أن يتعرف نظريًّا على أُسسها ثم يقوم بالتطبيق العملي المتدرج والمتواصل حتى يصير – بإذن الله – قادرًا على قيادة السيارة بمفرده ..
من هنا نقول بأن تغيير أي فرد لا يحتاج فقط إلى المعرفة النظرية بما ينبغي تغييره، بل لابد من الممارسة العملية الطويلة والمستمرة لها .
لذلك مهما تكلم الدعاة على المنابر والفضائيات، ومهما كتب الكتَّاب، ومهما وضع المصلحون من توجيهات إصلاحية، وخطط تفصيلية لتغيير الأفراد من الداخل، فإن هذا وحده لن يُحدث التغيير المطلوب، وأقصى ما سيفعله هو التغيير الوقتي غير الدائم .
من هنا ندرك مغزى قول الإمام حسن البنا: « إن الخطب والأقوال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء.. كل ذلك وحده لا يُجدي نفعًا، ولا يُحقق غاية، ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف »
ويستطرد قائلًا: ولكن للدعوات وسائل لابد من الأخذ بها والعمل لها. والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة :
1- الإيمان العميق 2- التكوين الدقيق 3- العمل المتواصل.
من هنا نقول بأنه لابد من ممارسة طويلة للمعاني المراد اكتسابها وإتقانها .
ولو تأملنا في طريقة وكيفية اكتساب مهارة ما، سنجد أنها تتم من خلال الممارسة المتتابعة، وأن هذا الاكتساب يتم بالتدريج، ويتنامى ببطء، وأنه من الضروري أن يكون تحت إشراف شخص ماهر ومتقن لتلك المهارة ..
.. هذه العملية يُطلق عليها: « التربية » باعتبار أن المهارة في البداية تكون منعدمة أو شبه منعدمة عند الفرد الذي يريد اكتسابها، ثم « تربو » وتنمو في داخله ببطء شيئًا فشيئًا – من خلال الممارسة – حتى تصل إلى حد الثبات والرسوخ الذي يمكنه من ممارستها بإتقان في أي وقت ودون معاناة أو تكلف .
فالتربية تقوم بإحداث أثر ثابت في الشيء، يؤدي إلى إحداث تغيير في طبيعته ومكوناته .
معنى ذلك أن: التربية هي أداة التغيير ...
فإن أردنا التغيير الحقيقي لأنفسنا والمسلمين فلابد من عمل تربوي عظيم ومتواصل يهدف إلى تحقيق العبودية الحقة لله عز وجل.. ومن ثَمَّ عودة الأمة إلى صحتها وعافيتها .
إن التغيير المنشود للأمة يستلزم تربية أفرادها تربية صحيحة متكاملة، والتربية تحتاج إلى استمرارية ممارسة معاني الإسلام، من خلال وسط تربوي تتم فيه المعايشة والتعاهد وبث الروح وضبط الفهم وتوجيه الجهد واستنهاض الهمم.. هكذا فعل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبنى الأمة الجديدة.. تأمل قوله تعالى وهو يخاطبه ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..﴾ [الكهف:28].
لقد كان محمد e يقوم على تربية أصحابه وتعاهدهم ودوام توجيههم بما يتنزل عليه من القرآن الكريم، وما يأتيه به جبريل - عليه السلام - من الوحي الإلهي، وذلك في المرحلتين المكية والمدنية..
(الإيمان والحياة)
غلبتك بالله يا أبا سفيان
لقد تمثلت العبودية الكاملة والتامة لله عز وجل وعدم التعلق بشيء سواه في الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهرت آثارها بوضوح في طريقة تعامله مع أصحابه، فلم يربطهم يومًا ما بشخصه، بل ربط الجميع بالله عز وجل .
فمن أقواله التي تؤكد هذا المعنى: «ما أوتيكم من شيء ولا أمنعكموه، إن أنا إلا خازن، أضع حيث أُمِرت» [رواه أحمد]
وقوله لأصحابه: «بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة»[رواه أبو داود]
ولقد كان يُبايع بعض الصحابة على ألَّا يسألوا الناس شيئًا.
فعن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديثي عهد ببيعته فقلنا: قد بايعناك، فعلام نبايعك؟ قال: «تعبدون الله ولا تشركون به شيئا، وتصلون الصلوات الخمس، وتسمعون، وتطيعون، وأسر كلمة خفية، ولا تسألوا الناس شيئا» قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا يناوله إياه [رواه مسلم]
وعن ابن أبى مليكة قال: كان ربما سقط الخطام من يد أبى بكر فيضرب بذراع ناقته فينيخها، فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ قال: إن حبيبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن لا أسأل الناس شيئًا [رواه أحمد]
وفي مكة عندما اشتد الإيذاء بأصحابه، جاءه خباب بن الأرت في يوم من الأيام يتحدث معه في هذا الأمر، فانظر فيم حدثه.. لم يحدثه في مساعدة أهل الجوار، وأصحاب النفوذ، ومن لهم كلمة على أهل مكة ، بل كان طلبه يعكس مدى تعلقه التام بالله عز وجل، فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فَيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه..»[رواه البخاري]
وبعد أن فتح الله مكة لرسوله وللمؤمنين، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة غداة الفتح المبين، وقد نُكسَت الأصنام، واندحرت الجاهلية، وفرَّ بقايا سدنتها هاربين هائمين، ووقف أبو سفيان بن حرب الذي أسلم على عجَل، يرقُب المشهد، ويصرخ في أعماقه حديث نفسي صامت لا يجرؤ على إعلانه، يقول لنفسه: بم غلبني هذا الرجل؟ وانطلقت خواطره أو هواجسه كالبرق الخاطف في المقارنات والموازنات المكتومة، وفجأة ترك النبي صلى الله عليه وسلم الطواف، وضرب على صدره وقال: « غلبتك بالله يا أبا سفيان »
ولقد كان الصحابة يعيشون بكيانهم مع هذه الحقيقة، وتشكلت عقولهم وتصوراتهم بناء عليها، ووصل إيمانهم بها إلى الدرجات العلا، وانعكس ذلك على أدائهم وحركتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلقد انطلقوا بعدها في الأرض ليكملوا مسيرته صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس والعمل على تحريرهم من العبودية لغير الله، ويمثله نموذج قول ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس عندما سأله عن سبب مجيئهم:
«جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»
من هنا نقول بأن جوهر الإصلاح الذي ننشده في أنفسنا وفي الآخرين هو التحرر من العبودية لغير الله، هو التعلق به وحده، والتحرر من أسر قيود التعلق بغيره.
فالحرية الحقيقية هي التحرر من كل سجن ومن كل قيد يقيد الإنسان، فالذي يتعلق بنبي أو ولي فهو مقيد به، مسجون فيه، والذي يتعلق بمذهب أرضي فهو سجنه، والذي يتعلق بشهوة فهو أسير لها، والذي يتعلق بنفسه فهو عبد لها، والذي يتعلق بمنصب فهو مسجون فيه، مقيد به، والذي يتعلق بماله أو ولده فهو مقيد ومعذَّب بهم ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ﴾ [التوبة: 55].
أما العبودية لله عز وجل فهي الحرية الحقيقية، لأن الإنسان إنما خُلق ليكون عبدًا لله فقط، وكل شيء حوله فهو خادم له، مُسخَّر من أجله ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ [الجاثية: 13].
وإدراك المرء هذه الحقيقة يغير رؤيته للأشياء من حوله؛ سيراها على حقيقتها، مسخرة له، تعمل من أجله بلا أجرة، ولا تملك له نفعًا ولا ضرًّا، فيزهد فيها، وتنصرف رغبته عنها، وطمعه فيها، فيتعامل معها بهدوء وسكينة، ويستخدمها كأدوات خادمة له، أتاحها له ربه كأسباب تتيسر من خلالها الحياة على الأرض، كما جاء في الأثر: يا ابن آدم، خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تنشغل بما خلقته لك عمَّا خلقتك له.
إن العبودية لله تحمل السعادة الحقيقية، والشعور بالحرية مما سواه، والعز في الاستغناء عن غيره.
ولذلك فإن الدعوة التي ينبغي حملها للعالمين هي فك قيود التعلق بغيره؛ فالدنيا مليئة بالسجون المعنوية التي تكتظ بالبشر، وتحُول بينهم وبين الحرية الحقيقية، أما خارج تلك السجون حيث الحرية والسعادة والسكينة فلا يوجد فيها إلا قليلون.
فالواجب الأول على أمة الإسلام: أن تُنقذ البشرية المُعذبة الحائرة التائهة السجينة، التي تتخبط في الظلام.
وغني عن البيان أنه لا يمكن للأمة القيام به إلا إذا كان أبناؤها في عافية دائمة، وحرية حقيقية من كل قيد وتعلق بغير الله.
(الإيمان والحياة)
الغريق الجائع
لو أن رجلا ظل يسبح في البحر مدة طويلة، وأثناء ذلك بدأ يتملكه شعور بالجوع، فنادى على أهله الجالسين على الشاطئ يستحثهم للإسراع بتجهيز الطعام لأنه جائع.. جائع! وفي طريق عودته جاءت سلسلة من الأمواج المتلاحقة فسحبته إلى الداخل فبدأ يصارعها ويقاومها وهي تجذبه إلى أسفل، وأهله ينظرون إليه، وبين أيديهم الطعام الذي بدؤوا في إعداده له، فهل ترى سيستمرون في هذه الإعداد أم سيسارعون إلى إنقاذه؟
هذا سؤال بديهي لن تخرج إجابته من أي عاقل عن ضرورة المسارعة إلى نجدته قبل التفكير في إطعامه؛ فإنقاذ حياته هو الأولى والأهم في هذا الوقت. ولكن هل ستكون الإجابة بهذا الوضوح عند التعامل مع إنسان جائع يغرق في الضلال؟!
وبصيغة أخرى: لو وجدنا قوما جائعين وهم في الوقت ذاته بعيدون عن الدين، وعن القيام بتعاليمه وفرائضه، فماذا علينا أن نفعل معهم؟
هل نتوجه بكل طاقاتنا لسد جوعتهم وستر عورتهم فقط؟ أم أن هناك عملا ضروريا يجب أن يسبق ذلك ويصاحبه؟
الإجابة عن هذا السؤال تستلزم معرفة الغاية من وجودنا على الأرض: فالله عز وجل خلق لنا الأرض "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" [البقرة: 29] وسخر لنا كل شيء فيها "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ" [الجاثية: 13] كل ذلك لنقوم بوظيفة عظيمة ألا وهي عبادته سبحانه: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّنْ رِِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)" [الذاريات: 56، 57]
إن سبب وجودنا على الأرض هو عبادة الله عز وجل: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ" [البينة: 5] فقيمتنا الحقيقية أمام ربنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بأدائنا لهذه الوظيفة وأنه سبحانه لا يعبأ بنا لو انحرفنا عنها "قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ" [الفرقان: 77] يقول الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا.
فلا قيمة للإنسان حين يتخلى عن عبادة الله عز وجل، بل إنه بهذا التخلي يهبط من مكانته العظيمة التي خلقه الله فيها وكرمه بها إلى أحط منزلة يمكن أن يصل إليها مخلوق "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" [التين: 4، 5] لذلك كانت دعوة جميع الرسل إلى أقوامهم تنصب في هذا المعنى: "إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ" [فصلت: 14] "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ" [المائدة: 117]
تأمل أخي القارئ قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو يصف حال البشرية قبل بعثته وكيف كان ضلالهم، ومن ثم غضب الله عليهم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" [رواه مسلم]
لقد خلق الله عز وجل الأرض وما فيها من مال وذهب وزينة لتكون خادمة للإنسان، وخلق الإنسان ليكون عبدا له، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" [صحيح الجامع الصغير: 1781] وكلما ابتعد العبد عن القيام بحق من حقوق من العبودية فإنه يعرض نفسه لخطر عظيم، لا ينجيه منه إلا العودة السريعة إلى مولاه وإلى فعل ما يرضيه، ويكفيك تأكيدا لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها" [صحيح الترغيب والترهيب: 352] وقوله: "تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا. [صحيح الترغيب والترهيب: 351]
ومما يؤكد هذا المعنى أن الله جل شأنه قد جعل الوظيفة الأساسية للمؤمنين حين يمكنوا في الأرض هي العمل على القيام بحقوق العبودية له، فقال سبحانه: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ" [الحج: 41]
من هنا نقول: عندما تبتعد الأمة عن القيام بحقوق الله فهي في حالة غرق، ومن ثم فإن على كل من لديه عاطفة دينية ورغبة في الإصلاح أن يستشعر واجبه تجاهها وأن يبذل غاية جهده في إنقاذ نفسه وإخوانه المسلمين، وليس معنى ذلك هو تركهم يعانون الجوع والفقر، ولكن المقصد هو الترتيب الصحيح للأولويات والحرص على الجمع بين الأمرين إن تيسر ذلك، وكما يقول علماء الأصول بأنه في حالة التعارض بين مصلحتين فإن الخطوة الأولى هي الاجتهاد في الجمع بينهما، فإن تعذر ذلك كان البدء بالأهم فالمهم، ويقينا فإنه من اتقد قلبه حرقة على دينه وصح عزمه على خدمته فإنه سيهتدي بإذن الله إلى الجمع بين المصلحتين، شريطة أن يكون المقياس الذي يقيس به نجاحه هو مدى التقدم الذي يجريه الله على يديه في عودة الشاردين إلى ربهم، ولنتذكر دوما قوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس" [متفق عليه]
(الإيمان والحياة)
الهدف الأسمى للإصلاح
الغاية العُظمى من خلق الإنسان هو تحقيقه العبودية لله عز وجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] .
وجوهر العبودية هو التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بشيء سواه
وأصل التعلق بالشيء هو الاعتقاد في قدرته على النفع والضر، ومن ثم يكون الطمع في نفعه، والخوف من ضره، والخضوع له.
ومن مظاهر التعلق بالشيء: حُبّه واللهفة عليه، والفرح بتحصيله والحزن على فواته، والسعي في إرضائه، وكثرة التفكير فيه.
فالعبودية للمال تعني التعلق به والاعتقاد في قدرته على جلب المنفعة، أو كشف المضرة عن صاحبه، ومن مظاهر تلك العبودية: اللهفة عليه، والحرص على تحصيله، والفرح الشديد بزيادته ونمائه، والحزن على فواته، والشعور بالأمان معه، والخوف والقلق من فقده، وكثرة التفكير فيه، قال صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطِي رضي، وإن لم يُعط سَخِط»[رواه البخاري]
والعبودية للأشخاص تعني التعلق بهم ورجاءهم لاستجلاب النفع كالوصول على منصب، أو الحصول على مال، وتعني كذلك الطمع فيما بأيديهم، والاستقواء بهم، أو الخوف من ضرهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[التوبة: 31].
والعبودية للنفس تعني الإيمان بالنفس وقدراتها ومواهبها، والاعتقاد بأن تلك المواهب والقدرات يمكنها لذاتها أن تجلب لصاحبها النفع وتدفع عنه الضر.
والعبودية لامرأة، أو منصب، أو غير ذلك، تدخل في هذا المعنى: التعلق بالشيء، ورجاء نفعه، وخوف ضره ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾[الفرقان: 43].
مع اعتبار أن العبودية للشيء تختلف من شخص لآخر بحسب درجة تعلقه به.
وفي المقابل فإن العبودية لله عز وجل تعني التعلق التام به، والخضوع له، واليقين بأنه سبحانه مالك النفع والضر، وأن لا أحد سواه يملك مثقال ذرة، في الأرض ولا في السماء حتى الملائكة أو الرسل.. فليس لأحد من دون الله فاعلية ذاتية، ولا يملك أحد من دون الله نفع نفسه أو غيره ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام: 17] .
هذه العبودية لله عز وجل لن تتحقق بصورة كاملة إلا إذا تحرر المرء من العبودية لغيره، فلن يكون المرء عبدًا حقيقًّا لله إلا إذا تحرر مما سواه.
وقد تكون في المرء عبودية وتعلق بالله، وعبودية وتعلق بغيره، ومن ثَمَّ تختلف درجة العبودية لله بحسب درجة تعلقه به سبحانه، وتحرره من التعلق بغيره.
لذلك فإن جوهر التوحيد هو توحيد التوجه والقِبلة إليه سبحانه، والتعلق التام به، ومن ثَمَّ طاعته وامتثال أوامره، والسعي الدائم نحو مرضاته، ودوام التوكل عليه، والشعور الدائم بالامتنان نحوه ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾[هود:123].
التوحيد الحقيقي هو توحيد التعلق والرجاء.. توحيد القصد والطلب.. توحيد العبادة والاستعانة بالله عز وجل.
هذا التوحيد هو المراد من الخلق، وهو ما بُعثت به الرسل، ونزلت به الكتب ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ...﴾[فصلت:13،14].
وليست دعوة التوحيد مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد من التعلق به، والاعتقاد الجازم أنه هو النافع الضار ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾[الزمر:38].
وعندما بلغ الصحابة رضوان الله عليهم خبر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يُصدِّقوا ذلك، وقال عمر بن الخطاب:«والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم» فقال أبو بكر:«أيها الحالف على رِسلك» فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر:30]، وقال:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:144] فانتبه الصحابة سريعًا للأمر وخرجوا من المسجد يتلون ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[آل عمران:144].
لقد أفاق الصحابة سريعًا من هول الصدمة عندما خوَّفهم أبو بكر بقوله: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.
فهذه الكلمات جَعَلَت كلًّا منهم يُراجع نفسه سريعًا، ويُراجع مدى تعلقه بالله، هل كان تعلقًا تامًّا أم لا؟
وهل كان حُبُّهم للرسول صلى الله عليه وسلم منشؤه التعلق الشخصي به، أم كان حبُّهم له منطلقًا من كونه المبلغ عن الله والمُربِّي، والقدوة، والدال على طريق الهداية والفلاح..
انتبهوا سريعًا بعد أن ذكَّرهم أبو بكر بالحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم بشر تجري عليه أحكام البشر﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر: 30]
فالربانية هي التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بغيره مهما كان وضعه ومنزلته.
(الإيمان والحياة)
أمة واحدة ونسيج واحد
المتأمل للخطاب القرآني الموجه لأفراد الأمة يجده خطابًا جماعيًّا وليس فرديًّا بمثل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ [الحج: 41]، ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 78].
ومن أهم دلالات هذا الخطاب الجماعي أننا أمام التكليف الإلهي جماعة واحدة، أو أمة واحدة ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92].
فالأمة الإسلامية هي الأسرة الكبيرة لكل فرد مسلم فيها، وهي كالجسد الواحد المكون من أجزاء وأعضاء كثيرة لكنها مترابطة ومنسجمة ومتكاملة، ولا يمكن لهذا الجسد أن يتمتع بالحيوية والنشاط والصحة إلا إذا كانت جميع أعضائه كذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [متفق عليه]
ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11]، فالآية تطالبنا ألا نلمز أنفسنا، أي لا نطعن أنفسنا.. ولكن هل من المعقول أن يلمز المرء نفسه ؟!
من المؤكد أن أي عاقل لا يلمز نفسه، ولكن لأن الله عز وجل يُعاملنا على أننا أمة واحدة وجسد واحد؛ كان التوجيه بعدم لمز الآخر، لأننا حين نلمزه فكأننا لمزنا أنفسنا، كاليد الصحيحة عندما تضرب رأس صاحبها فهي بذلك وكأنها تضرب نفسها، لأن أثر الضربة سيطولها .
وعندما حاول حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إرسال خطاب إلى أهل مكة يُخبرهم فيه بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إليهم فاتحًا، وتم منع وصول هذا الخطاب إليهم بعد أن أخبر الله عز وجل رسوله به.. نزل القرآن يُعاتب الصحابة جميعًا على هذا الفعل ولا يُعاتبه بمفرده..يُعاتبهم لأنهم جميعًا مشتركون في المسئولية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الممتحنة: 1 - 3].
معنى ذلك أنه ليس المطلوب من كل مسلم أن يكون صالحًا في نفسه فقط؛ بل لابد وأن يعمل على إصلاح غيره حتى تبقى الأمة في عافية مستمرة؛ ومن ثم تنجح في أداء مهمتها العظيمة ألا وهي تطبيق وتبليغ رسالة الله الأخيرة للبشرية جيلًا بعد جيل .
والناظر إلى تعاليم الإسلام يجدها تدفع المسلم دائما نحو الحركة الجماعية مع إخوانه المسلمين، وترغِّبه في إصلاح وتقويم نفسه وغيره لتستمر الحيوية للأمة، ومن المظاهر العملية التي تؤكد هذا الأمر: الحث الدائم على أداء الصلوات الخمس المكتوبة: جماعة وفي المسجد، أما صلاة الجمعة فهي اجتماع أسبوعي كبير وهي فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، ولمن شاء من النساء، وصلاة العيدين سنة مؤكدة للجميع: رجالًا ونساء، وموسم الحج موسم يضم آلافًا مؤلفة من المسلمين، وكأن اجتماعهم وهم يمثلون أجناسًا شتى وبلادًا شتى بمثابة اجتماع للأمة كلها .. هذا الاجتماع يتكرر كل عام بأفراد – في الغالب – جدد .
ونجد كذلك تفضيل الإسلام للأعمال ذات النفع المتعدي للآخرين على التطوع بالقربات الفردية: كالسعي على الأرملة والمسكين، وعيادة المريض، وقضاء حوائج الناس، ونجدة الملهوف والصلح بين المتخاصمين .
ومن مفاخر الإسلام ترغيبه الشديد في أداء واجب النصيحة بين المسلمين، ولك أن تتأكد من ذلك عندما تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة » [رواه مسلم] وكأن مدار الدين على النصيحة.
ولا نغفل أيضًا مطالبة الدين لأبنائه بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار تركه نذير شؤم على الأمة، ويكفيك في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» [رواه الترمذي وحسّنه]
كل ذلك وغيره يُشكل منظومة جماعية من شأنها أن تجعل الأمة مترابطة متعافية، ومن ثَمَّ تستمر في أداء وظيفتها العظيمة وواجبها الخطير تجاه البشرية جمعاء بدلالتها على الله، وتبليغ رسالته لها لإنقاذها من الهلاك.
إن مشروع الأمة الدائم - بعد التطبيق - هو البلاغ والشهادة على الناس في كل زمان ومكان، وهذا يستدعي استمرار حيويتها وقوتها، ويستدعي كذلك توزيع الأدوار والمهام داخل الأمة، فطائفة تتحرك للجهاد والبلاغ، وطائفة تقوم بتجهيزها وإعدادها فكريًّا وإيمانيًّا، ونفسيًّا وجسديًّا.. يقول تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
